
اعترافات منتصف الليل | رواية جريمة ومحاكم وغموض كاملة
يُكلف المحامي الجنائي ليام بالدفاع عن ڤاليريا، وهي امرأة غامضة تُتهم بقتل زوجها الثري داخل قصرهما المغلق. تصر ڤاليريا على براءتها وتدّعي فقدان الذاكرة الجزئي ليلة الواقعة، لكن جميع الأدلة الظاهرية تُشير إليها بوضوح. يتسلل ليام إلى التفاصيل المظلمة لحياة ڤاليريا السابقة، لينغمس في شبكة معقدة من التزوير، الصفقات المشبوهة، والابتزاز. وسط التوتر الدرامي داخل جدران المحكمة وخارجها، تتطور العلاقة بينهما من مجرد موكل ومحامٍ إلى انجذاب عاطفي جارف ومحفوف بالشكوك؛ حيث يتساءل ليام باستمرار: هل يحمي بريئة وقعت في فخ مؤامرة مُحكمة، أم أنه يقع في حب امرأة تلاعبت بقلبه لتنجو بجريمتها؟.
الفصل الأول: ليلة الدم داخل القصر
كانت السماء فوق مدينة "إيفرستون" تبدو وكأنها على وشك الانهيار.
الرياح تعصف بالأشجار على جانبي الطريق الجبلي المؤدي إلى قصر بلاكوود، فيما
كانت ومضات البرق تشق الظلام للحظات قصيرة كاشفة عن المبنى الضخم القابع فوق التل.
في الداخل، كان كل شيء مختلفًا تمامًا، دفء المدافئ الحجرية، أضواء الثريات الكريستالية،
والسجاد الأحمر الممتد عبر الممرات الطويلة.
ورغم هذه الفخامة، كان التوتر حاضرًا في كل زاوية من زوايا القصر، وقف ألكسندر بلاكوود أمام نافذة مكتبه الواسعة، ممسكًا بكأس من الويسكي دون أن يشرب منه، كان يراقب العاصفة، لكن الحقيقة أنه لم يكن يفكر بالطقس، كان يفكر في شيء أكثر خطورة.
خلفه مباشرة فوق المكتب الخشبي الفخم استقرت مجموعة من الملفات السوداء، داخل تلك الملفات كانت توجد أسرار قادرة على تدمير حياة أشخاص كثيرين... أشخاص أقوياء.زز وأشخاص مستعدون للقتل.
رن هاتفه المحمول، نظر إلى الشاشة، تجمدت عيناه للحظة ثم أجاب : "أعرف أنك غاضب"
جاءه صوت من الطرف الآخر:
"الغضب لم يعد المشكلة يا ألكسندر" ثم ساد الصمت.
ثم أضاف المتصل: "المشكلة أنك تأخرت كثيرًا"
أغلق ألكسندر الخط دون كلمة إضافية، ظل ينظر إلى الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن يضعه على المكتب.
في تلك اللحظة سمع طرقًا خفيفًا على الباب : "ادخل"
فتح الباب ببطء، ظهرت فاليريا ، كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا على غير عادتها، بدت هادئة، هادئة أكثر مما يجب.
نظر إليها ألكسندر طويلًا قبل أن يقول: "كنا بحاجة للتحدث منذ فترة"
ردت ببرود:"وأنت كنت تتجنب الحديث منذ فترة"
ابتسم بسخرية : "تعتقدين أنك الضحية دائمًا "، اقتربت منه : "لأنك جعلت الجميع يرونني بهذا الشكل"
أدار ظهره لها: "ليس الليلة يا فاليريا" ، قالت : "بل الليلة تحديدًا" ثم استدار نحوها.
التقت أعينهما في صمت ثقيل ، كانا زوجين أمام العالم.
لكن خلف الأبواب المغلقة تحولت العلاقة منذ سنوات إلى حرب باردة.
قالت: "أريد أن أعرف الحقيقة."
قال : "أي حقيقة؟".
قالت :"ما الذي تخفيه؟" ، تشنج فك ألكسندر قليلًا : "ابتعدي عن هذا الموضوع"
قال : "إذن الأمر حقيقي" ، لم يجب وهنا فهمت أنها أصابت الهدف.
اتجهت إلى الملفات الموضوعة فوق المكتب.
لكن ألكسندر أمسك يدها قبل أن تصل إليها : "لا تلمسي هذه الملفات"
هذه المرة ارتفع صوته ولأول مرة منذ بدء الحديث بدا خائفًا... خائفًا فعلًا.
سحبت يدها بعنف وقالت: "أحيانًا أتمنى أنني لم أتعرف عليك أبدًا"
ظل ينظر إليها ثم أجاب ببرود: "وأحيانًا أتمنى الشيء نفسه"
غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بقوة.
بقي ألكسندر وحده ثم جلس خلف مكتبه ، فتح أحد الملفات ، بدأ يقلب الصفحات بسرعة وكأنه يحاول اتخاذ قرار مستحيل، بعد دقائق قليلة فتح درجًا سريًا داخل المكتب أخرج منه ظرفًا رماديًا.
تردد طويلًا ثم كتب عدة كلمات على ورقة صغيرة، طواها ووضعها داخل الظرف.
في الطابق العلوي كانت فاليريا تتمشى داخل جناحها الخاص قلبها ينبض بقوة ، لم يكن الخلاف بينها وبين ألكسندر جديدًا لكن شيئًا مختلفًا حدث الليلة، شيء جعلها تشعر بالخطر، اقتربت من الشرفة، أخذت نفسًا عميقًا ثم سمعت صوتًا آتيًا من الطابق السفلي.
صوت باب... شخص ما دخل القصر... عبست : ( في هذا الوقت المتأخر؟ ) ، نظرت إلى الساعة.
كانت تشير إلى الحادية عشرة وسبع دقائق، حاولت إقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها لكن شعورًا غريبًا استقر داخل صدرها ، شعور بأن الليلة لن تنتهي بشكل جيد.
في مكان آخر من المدينة ، كان المحامي الجنائي ليام كارتر يجلس داخل مكتبه، أمام أكوام من الملفات والقضايا، كان ينهي مراجعة قضية قديمة حين تلقى رسالة على هاتفه، قرأها ثم ابتسم بسخرية، كانت من صديق قديم يدعوه للخروج ثم ترك الهاتف جانبًا وأشعل مصباح المكتب، لم يكن يعلم أن خلال ساعات قليلة سوف تتغير حياته بالكامل.
( القصر ) .
الساعة الآن الحادية عشرة وخمس وثلاثون دقيقة.
داخل غرفة المراقبة كان أحد الحراس يتابع الشاشات فجأة بدأت الصور تتشوش، ومضت الشاشة ثم انطفأت ، شاشة ثم ثانية ثم الثالثة وخلال أقل من عشر ثوان اختفت جميع الكاميرات.
حدق الحارس بدهشة : "ما هذا الجحيم؟" ، حاول إعادة تشغيل النظام لكن دون جدوى ، جميع الكاميرات توقفت.
في اللحظة نفسها كان الظلام يعم جزءًا من الممر المؤدي إلى مكتب ألكسندر.
مرت خمس دقائق ثم دوى صوت حاد داخل القصر.
صوت شيء معدني يسقط على الأرض، تلاه صمت ثم صرخة ، صرخة امرأة مدوية... مرعبة.
ركض الحراس والخدم عبر الممرات، صوت الخطوات ارتفع في كل مكان، وصل الجميع إلى باب المكتب... كان مغلقًا.
بدأوا بالطرق ، لا إجابة، كرروا المحاولة، لا شيء، ثم اضطر أحد الحراس إلى كسر الباب.
تحطم القفل وانفتح الباب بعنف وفي اللحظة التي دخلوا فيها... ساد الصمت، الصمت الكامل.
كان ألكسندر بلاكوود مستلقيًا خلف مكتبه بلا حراك.
بقعة دم ضخمة انتشرت فوق السجاد الفاخر، إحدى يديه كانت متدلية بجانب الكرسي والأخرى ما زالت قريبة من صدره، أما عيناه فكانتا مفتوحتين، جامدتين... فارغتين... لقد مات.
كانت فاليريا قد وصلت معهم وحين رأت المشهد تجمدت، بدا وجهها شاحبًا بصورة مخيفة.
تراجعت خطوة ثم أخرى وهمست: "لا...".
اقترب أحد الحراس منها فجأة، نظر إلى يديها ثم اتسعت عيناه، كانت هناك بقع دم ، دماء حقيقية على أطراف أصابعها ، نظر الجميع إليها، لحظة واحدة فقط لكنها بدت وكأنها ساعة كاملة.
قال أحدهم: "من أين جاء هذا الدم؟" لكنها لم تجب لأنها لم تعرف الإجابة ، نظرت إلى يديها هي الأخرى ثم بدت عليها الصدمة كأنها تراها للمرة الأولى.
وصلت الشرطة بعد أقل من ثلاثين دقيقة ، امتلأ القصر بالأضواء الزرقاء والحمراء، أفراد الأدلة الجنائية، المحققون، المصورون، حتى الصحفيون بدأوا يتجمعون خارج البوابة وكان المحقق إيثان غريفز أول من دخل مكتب الضحية.
رجل طويل وهادئ الملامح لكن عينيه كانتا حادتين. نظر إلى المشهد بصمت ثم سأل: "من وجد الجثة؟"
بدأت الإفادات تتوالى لكن شيئًا واحدًا جذب انتباهه فورًا، كل الطرق كانت تقوده نحو شخص واحد.
فاليريا بلاكوود ... الزوجة.
جلس إيثان أمامها بعد ساعتين، في غرفة صغيرة داخل القصر وقال مباشرة: "أخبريني ما الذي حدث"
رفعت رأسها نحوه بدت مذهولة، مرهقة ومتعبة، قالت: "لا أتذكر"
عبس وقال : "كيف لا تتذكرين؟"
قالت : "لا أعرف"
قال : "كنتِ آخر شخص رآه على قيد الحياة"
قالت : "ربما"
قال : "وعلى يديك دماؤه."
قالت : "لا أعرف كيف حدث ذلك"
ازدادت شكوكه أكثر ، سأل: "هل تشاجرتما الليلة؟"
ساد الصمت، ثوانٍ طويلة ثم قالت: "نعم"
قال : "حول ماذا؟"
قالت : "لا أريد الحديث عن ذلك."
أغلق دفتره وقال بهدوء:"هذا لا يساعدك"
رفعت عينيها إليه ولأول مرة سألته سؤالًا: "هل تعتقد أنني قتلته؟"
تأملها طويلاً ثم أجاب: "أعتقد أن الأدلة ستخبرنا"
خلال الساعات التالية بدأت الصورة تزداد سوءًا بالنسبة لها، الخلاف بين الزوجين معروف، الدم موجود، الكاميرات معطلة ولا يوجد أي أثر لدخول شخص غريب بل والأغرب من ذلك... أن المكتب كان مغلقًا من الداخل وكأنه لغز مستحيل، جريمة في غرفة مغلقة دون مخرج ودون مشتبه به منطقي سوى الزوجة.
مع شروق الشمس كانت جميع القنوات الإخبارية تتحدث عن القضية، العناوين كانت صاخبة :
( "مقتل الملياردير ألكسندر بلاكوود"، "هل قتلت الزوجة زوجها؟" ، "أسرار داخل القصر المغلق" ، "جريمة العام" ) وفي أقل من يوم واحد أصبحت فاليريا أشهر متهمة في البلاد.
بعد يومين دخلت زنزانتها بهدوء ، كانت تنظر إلى الجدار حين أخبرها الحارس:"هناك محامٍ يريد مقابلتك"
رفعت رأسها : "من؟".
قال الحارس : "ليام كارتر" ، الاسم كان معروفًا، أحد أفضل المحامين الجنائيين في المدينة.
دخل بعد دقائق حاملًا ملفًا أسود، جلس أمامها ودون مقدمات قال: "أنا لا أحب القضايا الخاسرة"
ظلت صامتة.
أكمل : "وقضيتك تبدو خاسرة جدًا"، نظرت إليه لأول مرة وكانت تلك أول لحظة يلتقي فيها الاثنان، لم يعرف أي منهما أن هذا اللقاء سيغير مصيرهما معًا.
قال ليام: "إذا أردت أن أدافع عنك فعليك قول الحقيقة"
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة وقالت : "أتمنى لو كنت أعرفها"
قال : "الحقيقة دائمًا موجودة"
قالت : "ليس هذه المرة"
أمال رأسه قليلًا :"ماذا يعني ذلك؟"
نظرت إليه مباشرة ثم قالت الجملة التي ستبقى عالقة في ذهنه طويلًا: "أنا لا أعرف إن كنت قتلته أم لا ! "
ساد الصمت، حتى ليام نفسه لم يعرف كيف يرد، فهذا ليس نفيًا وليس اعترافًا بل شيء أكثر رعبًا بين الاثنين.
تابعت بصوت منخفض: "أتذكر أنني كنت في الممر".
قال : " ثم؟ ".
قالت :" ثم لا شيء ".
قالت :"لا شيء؟" ثم أومأت : "فراغ كامل"
أغلق ليام الملف ببطء، كانت هذه أغرب قضية رآها طوال حياته لكن شيئًا ما أخبره أن الحقيقة ليست كما تبدو وعندما غادر السجن مساء ذلك اليوم، تلقى اتصالًا من أحد خبرائه التقنيين.
قال الرجل عبر الهاتف:"وجدنا شيئًا بخصوص كاميرات القصر"، توقف ليام : "ماذا؟".
جاءه الرد: "الكاميرات لم تتعطل بسبب عطل فني"، صمت ليام ثم سأل: "إذن ماذا حدث؟".
قال الرجل: "شخص ما أوقف النظام يدويًا ".
سئل ليام : "متى؟ ".
جاءه الجواب الذي سيبدأ معه الكابوس الحقيقي: "قبل وقوع الجريمة بخمس دقائق فقط".
أغلق ليام المكالمة ورفع نظره نحو السماء الملبدة بالغيوم.
شعر للمرة الأولى أن خلف مقتل ألكسندر بلاكوود أسرارًا أكثر ظلمة مما يتخيل أي شخص ولم يكن يعلم بعد أن كل خطوة سيتخذها نحو الحقيقة ستقوده إلى متاهة من الأكاذيب والخيانة والحب والخطر.
الفصل الثاني: أسرار خلف الثراء
لم ينم ليام كارتر سوى ساعتين منذ أن قبل الدفاع عن فاليريا بلاكوود، كانت القضية تحتل عناوين جميع الصحف، وأصبحت محور النقاش في البرامج التلفزيونية ومواقع الأخبار. الجميع تقريبًا اتفق على شيء واحد: فاليريا هي القاتلة.
أما ليام، فكان الوحيد الذي لم يقتنع.
جلس داخل مكتبه المطل على وسط مدينة إيفرستون بينما كانت شمس الصباح تنعكس على النوافذ الزجاجية للأبراج المحيطة، أمام عينيه تراكمت صور مسرح الجريمة وتقارير الشرطة الأولى ، أعاد قراءة التقرير للمرة العاشرة ثم توقف عند نقطة محددة... الكاميرات... ذلك التفصيل الصغير لم يخرج من رأسه منذ الليلة الماضية.
لو كانت فاليريا قد خططت للجريمة فعلاً، فلماذا تترك خلفها كل تلك الأدلة الظاهرة؟ ولماذا تدعي فقدان الذاكرة؟، بدا الأمر فوضويًا أكثر من اللازم، أغلق الملف ونهض، كان يحتاج إلى رؤية القصر بنفسه.
بعد ساعة واحدة وصلت سيارة ليام إلى بوابة قصر بلاكوود، لا تزال الشرطة تفرض طوقًا أمنيًا حول المكان رغم مرور أيام على الجريمة، بعد إبراز تصريحاته القانونية سُمح له بالدخول، عاد المطر الخفيف يتساقط فوق الحديقة الواسعة.
نظر ليام نحو المبنى الضخم، حتى في وضح النهار بدا المكان كئيبًا وكأن الجريمة ما زالت عالقة بين جدرانه.
استقبله المحقق إيثان غريفز عند المدخل، لم يكن سعيدًا برؤيته.
قال ببرود: "ألم تكتفِ بملفات القضية؟".
ابتسم ليام : "أحب رؤية المكان بنفسي".
رد إيثان: "لن يغير ذلك شيئًا".
لم يعلق ليام، كان معتادًا على هذا النوع من المحققين، الذين يقررون هوية القاتل قبل انتهاء التحقيق.
دخلا القصر وسارا عبر الممر الطويل المؤدي إلى مكتب ألكسندر، فتح إيثان الباب : "هنا"
دخل ليام بصمت، كانت بقع الدم قد أزيلت لكن آثار الجريمة ظلت واضحة في مخيلته.
وقف أمام مكتب ألكسندر ثم بدأ يتفحص المكان بعينيه فقط دون لمس أي شيء...السجادة...النافذة...الكرسي...الخزائن...ثم توقف فجأة... لاحظ شيئًا، قال: "هل فحصتم هذا؟"
نظر إيثان إلى المكان الذي يشير إليه.
كان إطارًا خشبيًا لرف كتب مثبتًا بجانب الجدار.
رد: "ماذا بشأنه؟".
اقترب ليام ثم أشار إلى خدش طويل قرب الحافة، خدش حديث نسبيًا، قال: "يبدو أن شيئًا ثقيلًا تحرك هنا مؤخرًا"
أجابه إيثان: "ربما أثناء التحقيق"، لكن ليام لم يقتنع، حفظ الملاحظة في ذهنه.
بعد مغادرته القصر توجه مباشرة إلى مقر شركة بلاكوود العالمية، الإمبراطورية التي بناها ألكسندر خلال عشرين عامًا، كان المبنى أشبه بحصن زجاجي ضخم، استقبلته موظفة الاستقبال قبل أن ترافقه إلى مكتب الإدارة المالية وهناك التقى لأول مرة بفيكتور كين،
الرجل الذي يشغل منصب المدير المالي للشركة، صافحه فيكتور بثقة، قال: "سمعت أنك تدافع عن السيدة بلاكوود".
ليام : "هذا صحيح"
فيكتور: "قضية صعبة."
ليام : "هذا ما يجعلها مثيرة للاهتمام."
ابتسم فيكتور لكن ابتسامته بدت مصطنعة ، لاحظ ليام ذلك فورًا.
جلسا وبدأ الحديث، شرح فيكتور إنجازات الشركة ثم تحدث عن ألكسندر بشكل مثالي تقريبًا، رجل أعمال ناجح، قائد متميز، محبوب من الجميع، كل شيء بدا مثاليًا أكثر مما ينبغي.
وعندما يكون شيء ما مثاليًا بشكل مبالغ فيه، يبدأ المحامون الجيدون بالشك.
سأل ليام: "هل كان السيد بلاكوود يواجه مشكلات مالية؟".
تردد فيكتور للحظة قصيرة جدًا لكن ليام لاحظها ، ثم أجاب :"بالطبع لا"
ليام : "ولا أي خلافات داخل الشركة؟".
اجاب فيكتور : "أبدًا".
هنا ابتسم ليام داخليًا لأنه يعرف أن الشركات التي تضم آلاف الموظفين لا تخلو من الخلافات لكن فيكتور تصرف وكأن إمبراطورية ألكسندر جنة مثالية، وبمجرد انتهاء اللقاء شعر ليام أنه أخفى شيئًا لكن ماذا؟ لم يكن يعرف بعد.
في نفس المساء وصل إلى مكتبه ظرف مجهول بلا اسم مرسل، بلا عنوان مجرد مظروف بني بسيط، فتحه بحذر، وجد داخله ورقة واحدة وعليها سطر قصير :" ابحث في الحساب رقم 47-B ".
قطب حاجبيه، لم يكن يفهم المقصود، لكن شيئًا ما أخبره أن الرسالة مرتبطة بالقضية.
في اليوم التالي استغل صلاحياته القانونية وبدأ يراجع بعض المستندات المالية الخاصة بألكسندر، في البداية لم يجد شيئًا لافتًا لكن بعد ساعات طويلة من التدقيق بدأ يكتشف أمورًا غريبة، تحويلات مالية بمبالغ ضخمة، شركات وهمية، أسماء لا وجود لها في السجلات الرسمية وعقود موقعة مع جهات خارجية مجهولة و كلما تعمق أكثر ازدادت دهشته.
لم يكن ألكسندر مجرد رجل أعمال ثري، كان يخفي شبكة من الأسرار المالية المعقدة وأغلبها تم تمويهه بعناية شديدة، وصل أخيرًا إلى الحساب المشار إليه في الرسالة ، 47-B.
فتح الملف الإلكتروني ثم تجمد، ملايين الدولارات تم تحويلها منه خلال السنوات الأخيرة، إلى وجهات مختلفة، بعضها قانوني لكن الكثير منها لم يكن كذلك، همس لنفسه:"ماذا كنت تخفي يا ألكسندر؟"
في المساء زار فاليريا داخل السجن مجددًا، جلست أمامه خلف الزجاج، بدت أكثر هدوءًا هذه المرة.
قال: "كان زوجك يخفي أمورًا كثيرة"، رفعت رأسها وقالت : "أعرف"
سئلها : "إلى أي درجة؟"
صمتت للحظات ثم قالت: "أكثر مما تتخيل"
قال :"هل كان متورطًا في أعمال غير قانونية؟".
لم تجب مباشرة بل سألته: "هل ستصدقني إذا قلت نعم؟".
نظر إليها طويلًا ثم قال: "جربي".
تنهدت وقالت : "قبل سنوات لم يكن ألكسندر هكذا".
قال : "إذن ما الذي تغير؟".
قالت :"المال"، ساد الصمت للحظات ثم أكملت: "كلما أصبح أغنى ازداد خوفًا".
سئل : "ممن؟".
قالت : "من الجميع".
خفضت عينيها وأكملت بصوت أضعف: "حتى مني"
بدأ ليام يلاحظ شيئًا، كل شخص يتحدث عن ألكسندر يصفه بطريقة مختلفة، رجل الأعمال المثالي، الزوج المسيطر، الملياردير الخائف، لم يكن يعرف أي صورة هي الحقيقية وربما كانت كلها صحيحة في الوقت نفسه.
بعد انتهاء الزيارة بقيت كلماتها تدور في رأسه لكنه لم يكن مستعدًا بعد للثقة بها ففي النهاية هي المتهمة الرئيسية ومع ذلك... بدأ يشعر بأنها ليست كما تصورها وسائل الإعلام، خلف الهدوء والغموض كانت تخفي جروحًا قديمة، شيئًا أثقل من قضية قتل.
بعد يومين تلقى اتصالًا من صحفي مشهور يدعى أدريان وولف وقال إنه يملك معلومات عن ألكسندر، في البداية لم يهتم ليام لكن الصحفي أصر على اللقاء، التقيا داخل مقهى صغير بعيد عن الأنظار، أخرج أدريان ملفًا سميكًا ووضعه على الطاولة، قال: "كنت أحقق حول ألكسندر منذ أشهر".
عبس ليام : "لماذا؟".
قال ادريان : "لأن أشخاصًا كثيرين اشتكوا من اختفائهم بعد التعامل معه".
تجمدت ملامح ليام : "اختفاؤهم؟".
أدريان :"مهنيًا وليس جسديًا"، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة.
ثم أضاف: "رجال أعمال خسروا شركاتهم فجأة، مستثمرون تعرضوا للابتزاز، عقود مزورة، حسابات مشبوهة".
بدأت الصورة تتعقد أكثر، أخذ ليام الملف وقلب صفحاته بسرعة، كل صفحة كانت تكشف طبقة جديدة من الظلام، في تلك الليلة جلس وحده داخل مكتبه.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، نظر إلى لوحة الأدلة المعلقة أمامه، صور، أسماء، تواريخ ، مستندات، خيوط كثيرة، لكن لا شيء يربطها بالكامل، اغمض عينيه للحظة، ثم أعاد بناء الأحداث في ذهنه، ألكسندر كان يخفي أسرارًا، الكاميرات أوقفت يدويًا، المكتب مغلق، فاليريا لا تتذكر ما حدث وعدد الأشخاص الذين يملكون دافعًا لقتله يزداد يومًا بعد يوم، لم تعد القضية تبدو بسيطة أبدًا.
في صباح اليوم التالي استدعت المحكمة ليام لجلسة تمهيدية، جلس في القاعة بينما كانت وسائل الإعلام تملأ المقاعد الخلفية، دخلت فاليريا مرتدية زي السجن، ورغم التعب الذي بدا عليها ظلت محافظة على هدوئها.
راقبها ليام للحظة ثم أجبر نفسه على التركيز، بدأت المدعية العامة شارلوت ريد بعرض بعض الأدلة الأولية، كانت قوية، قوية للغاية، الدم، الخلافات الزوجية، بصمات فاليريا وسجل المكالمات ثم أخرجت ورقة جديدة وقالت:
"وهناك دليل إضافي"، رفع ليام نظره فورًا.
تابعت شارلوت: "تسجيل صوتي تم الحصول عليه من هاتف الضحية "
ساد الهمس في القاعة.
أما فاليريا فبدت متوترة فجأة، شغلت المدعية التسجيل وانطلق صوت ألكسندر ثم صوت فاليريا ، كانا يتشاجران وبوضوح شديد.
سمع الجميع صوتها تقول: "سيأتي يوم تندم فيه على كل ما فعلته"
ثم أضافت بغضب: "وأقسم أن حياتك ستنهار"، انتهى التسجيل.
ساد الصمت ثم بدأت الهمسات تنتشر داخل القاعة، شعر ليام بانقباض في معدته، لأول مرة منذ بدأت القضية، بدأ الشك الحقيقي يتسلل إليه، نظر إلى فاليريا، كانت شاحبة، حدقت بالأرض وكأنها تعرف هذا التسجيل لكنها لم تتوقع ظهوره.
عاد ليام إلى مقعده ببطء، بينما كانت فكرة واحدة فقط تدور داخل عقله: هل يمكن أن تكون جميع الأدلة صحيحة فعلًا؟، هل يمكن أن تكون المرأة التي بدأ يتعاطف معها أكثر مما ينبغي... قاتلة بالفعل؟.
* قد يهمك :
الفصل الثالث: اعترافات منتصف الليل
منذ ظهور التسجيل الصوتي داخل المحكمة لم يعد شيء كما كان، خرجت وسائل الإعلام من الجلسة وكأنها حصلت على اعتراف مباشر من فاليريا نفسها، وفي أقل من ساعات قليلة أصبحت العناوين أكثر قسوة من أي وقت مضى : ( "تهديدات سبقت الجريمة" ، "هل كشف التسجيل الحقيقة؟" ، "محامي الدفاع يخسر معركته".
أما ليام كارتر فجلس وحيدًا داخل مكتبه تلك الليلة عاجزًا عن التركيز، كان التسجيل يعيد نفسه داخل رأسه مرارًا: ( "سيأتي يوم تندم فيه على كل ما فعلته")، جملة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإثارة الشكوك، لأول مرة منذ بدأ القضية شعر بأنه يقف فوق أرض غير مستقرة، هل كانت فاليريا تكذب عليه؟، هل لعبت دور الضحية ببراعة؟، أم أن هناك شيئًا آخر لم يفهمه بعد؟، نظر إلى نافذة مكتبه، كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل.
تنهد ببطء ثم التقط ملف القضية وقرر زيارة السجن مرة أخرى، لقد حان وقت الأسئلة الحقيقية، داخل غرفة الزيارة، بدت فاليريا مختلفة، لم تكن المرأة الهادئة التي اعتاد رؤيتها خلال اللقاءات السابقة، كانت مرهقة، وعيناها محاطتان بإرهاق واضح، جلست أمامه بصمت، ولم يتحدث أي منهما لعدة ثوان، أخيرًا قال ليام:
"لماذا لم تخبريني عن التسجيل؟".
خفضت نظرها ثم قالت : "لأنني نسيته".
ارتفعت حاجباه :"نسيته؟".
ضحكت بسخرية مريرة : "أعرف كيف يبدو الأمر."
قال : "إذن اشرحيه"، ساد الصمت.
ثم رفعت رأسها نحوه، لأول مرة بدت صادقة إلى درجة مؤلمة وقالت: "لأن حياتي مع ألكسندر كانت أسوأ بكثير مما تتخيل".
ظل ينظر إليها دون أن يقاطعها، وأكملت: "لم يكن رجلًا شريرًا عندما تزوجته".
قال : "إذاً متى تغير؟".
قالت : "بعد نجاحه"، أخذت نفسًا طويلًا.
وكأنها تستعد لفتح باب ظلت مغلقًا سنوات وقالت : "في البداية كان يهتم بي، ثم أصبح يهتم بأمواله،ثم أصبح يخاف عليها ثم بدأ يخاف مني "،
سأل ليام: "ولماذا يخاف منك؟".
ابتسمت ابتسامة بلا فرح :"لأنني كنت الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقته".
بدأت كلماتها تتدفق ببطء وكأنها تعيد إحياء ذكريات دفنتها منذ سنوات، أخبرته كيف كان ألكسندر يزداد هوسًا بالسيطرة عامًا بعد عام، كيف أصبح يراقب مكالماتها ويتابع تحركاتها ويفرض قيودًا على حياتها، في البداية برر كل شيء بالخوف عليها لكن الأمر تطور لاحقًا إلى شيء آخر، شيء أقرب إلى السجن، قالت: "كان يريد أن يعرف أين أكون كل دقيقة ومع من أتحدث وماذا أفعل".
أطرق ليام برأسه ثم سأل: "هل كان يعنفك؟ "، تردد السؤال بينهما للحظة ثم أجابت بهدوء: "ليس بالطريقة التي تتخيلها".
قال : "ماذا يعني ذلك؟".
قالت : "كان يفضل استخدام الخوف "، تجمدت ملامح ليام قليلًا.
أما هي فأكملت : " كان يعرف كيف يجعلني أشعر بالعجز وكأن حياتي كلها مرتبطة برضاه".
شعر ليام أن أجزاء من صورة ألكسندر بدأت تتغير، الرجل الذي تقدمه الصحف على أنه عبقري اقتصادي ناجح لم يعد يبدو مثاليًا، بل بدأ يتحول إلى شخص أكثر تعقيدًا وأكثر ظلامًا.
قالت فجأة: "كنت أنوي الهرب في ليلة الجريمة".
رفع رأسه بسرعة : "ماذا؟ ".
ساد الصمت ثم أعادت الجملة بوضوح : "كنت سأتركه" .
شعر ليام بأن قلبه تسارع قليلًا : "هل كنت تخططين للطلاق؟".
أومأت : "منذ أشهر".
قال : "هل كان يعلم بذلك؟".
قالت : "نعم".
قال : "وكيف كانت ردة فعله؟".
ضحكت بسخرية : "أخبرني أنني لن أستطيع الهرب أبدًا، لا منه ولا من أسراره".
استمرت المقابلة أكثر من ساعة وعندما غادر ليام السجن كان رأسه ممتلئًا بالتساؤلات، هناك شيء حقيقي في كلامها،شيء لا يمكن اختلاقه بسهولة، لكن ذلك لا يثبت براءتها، لا يزال التسجيل الصوتي موجودًا، ولا تزال الأدلة ضدها قوية،وكلما اقترب من الحقيقة أصبح الطريق أكثر ضبابية.
في اليوم التالي كان أدريان وولف ينتظره داخل مكتبه، الصحفي الاستقصائي بدا متحمسًا بصورة غير معتادة، دخل وهو يحمل صندوقًا من الملفات ووضعه على الطاولة، قال: "وجدت شيئًا".
جلس ليام فورًا : "ماذا؟".
فتح أدريان أحد الملفات ثم دفعه نحوه: "هذه حسابات مالية تعود لشركات مرتبطة بألكسندر".
بدأ ليام بتصفح الصفحات ثم توقف فجأة، كانت هناك تحويلات مالية ضخمة بمبالغ تكفي لإسقاط إمبراطوريات كاملة، لكن الأمر الأكثر غرابة كان أسماء الشركات، كلها شركات واجهة، شركات موجودة على الورق فقط.
قال أدريان: "هناك شخص كان يسرق ملايين الدولارات"
سئله ليام : "من؟".
هز رأسه :"لا أعرف بعد ".
بدأ الاثنان العمل حتى ساعات متأخرة من الليل ومع كل ملف جديد وكل كشف جديد أصبحت القضية أكثر قتامة، هناك شخص قريب جدًا من ألكسندر كان يحول الأموال بعيدًا عن أعين الجميع وبحرفية عالية لسنوات كاملة.
قال ليام: "إذا اكتشف ألكسندر ذلك...".
أكمل أدريان: "...فسيكون لديه عدو مستعد لقتله "، لم يحتج أي منهما لإكمال الفكرة.
في تلك الليلة أيضًا كان شخص آخر يراقب من داخل سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، شخص مجهول، يتابع مكتب ليام بصمت، عندما أطفأ ليام الأنوار وغادر التقط ذلك الشخص هاتفه وقال:
"إنه يقترب أكثر من اللازم"، ثم أغلق الخط.
مرت الأيام التالية بسرعة، وتواصلت الاستعدادات للمحاكمة، لكن شيئًا غير متوقع بدأ يحدث، كل زيارة جديدة إلى السجن كانت تقرب ليام من فاليريا أكثر، في البداية كان الأمر احترافيًا، مجرد محامٍ وموكلته، لكن مع مرور الوقت بدأت الحواجز بينهما تتآكل، أصبحت اللقاءات أطول والأحاديث أكثر شخصية وأقل ارتباطًا بالقضية، في إحدى المرات سألته: "لماذا أصبحت محاميًا جنائيًا؟".
ابتسم لأول مرة منذ أيام وقال: "لأنني أكره رؤية الأبرياء يعاقبون".
ردت بهدوء: "وهل ما زلت تعتقد أنني بريئة؟".
تجمدت ابتسامته، ولم يعرف ماذا يجيب.
لاحقًا تلك الليلة جلس وحيدًا داخل شقته يفكر في السؤال، كان قد بدأ بالفعل بالتعلق بهاوهذا أمر خطير للغاية، المحامون لا يجب أن يقعوا عاطفيًا في قضاياهم ولا في موكليهم لكن كلما عرف عنها أكثر كلما أصبح الأمر أصعب، كان يرى الخوف خلف هدوئها، والوحدة خلف غموضها، والألم خلف القوة التي تحاول إظهارها ومع ذلك... لا يزال هناك احتمال بأنها تخدعه.
بعد يومين تلقى أدريان اتصالًا من مصدر مجهول أخبره بوجود صندوق محفوظ داخل مستودع قديم خارج المدينة ، توجه فورًا إلى الموقع وبعد ساعات عاد إلى ليام حاملاً مجموعة من الوثائق القديمة، كانت الوثائق تخص ألكسندر وبعضها يعود إلى سنوات طويلة، بدأ الاثنان بفحص المحتويات حتى وصلا إلى ظرف صغير كان مغلقًا بعناية، فتحاه وسقطت منه ورقة واحدة ، ورقة مكتوبة بخط يدوي، قرأها ليام بصمت ثم أعاد قراءتها مرة أخرى وأخيرًا رفع نظره إلى أدريان.
كانت الكلمات تقول:
"إن حدث لي شيء... فالجميع سينظرون إلى الشخص الخطأ"، ساد الصمت.
شعر ليام بقشعريرة تسري في جسده، كان الخط مطابقًا لخط ألكسندر والتوقيع كذلك، وبدا أن الرسالة كُتبت قبل موته بفترة قصيرة.
قال أدريان: "إنها أشبه بتحذير".
أجاب ليام: "بل اعتراف بأنه كان يخشى شيئًا".
قال : "أو شخصًا"، نظر الاثنان إلى بعضهما دون أن ينطقا بالاسم لكن الفكرة نفسها كانت تدور في رأسيهما.
ألكسندر كان يعرف أن هناك خطرًا يقترب ورغم ذلك لم يتمكن من إيقافه .
في تلك الليلة لم يستطع ليام النوم جلس أمام طاولته يتأمل الرسالة ويعيد ترتيب الاحتمالات، إذا كانت فاليريا القاتلة... فلماذا يكتب ألكسندر أن الجميع سينظرون إلى الشخص الخطأ؟، وإذا كانت بريئة... فمن يكون الشخص الصحيح؟ ولماذا لم يترك أسماء؟ أو أدلة واضحة؟، كانت القضية تتحول إلى متاهة، كل جواب يقود إلى سؤال جديد ، وقبل أن يغادر مكتبه قرب الفجر رن هاتفه، رقم مجهول، تردد للحظة ثم أجاب، جاءه صوت منخفض ومشوش ، صوت رجل قال: "توقف عن البحث".
عبس ليام، "من هذا؟".
لم يجب المتصل بل أضاف: "إذا استمريت... ستكون التالي"، ثم أغلق الخط.
ظل ليام ممسكًا بالهاتف لثوان، حدق في الظلام خارج النافذة.
وشعر لأول مرة منذ بداية القضية أن الأمر لم يعد مجرد محاكمة لقد أصبح خطرًا حقيقيًا، شخص ما في الخارج خائف وخائف جدًا إلى درجة أنه بدأ يهدد وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط أن الحقيقة التي يبحث عنها باتت أقرب مما يعتقد.
الفصل الرابع: المحكمة تشتعل
استيقظ ليام كارتر صباح يوم المحاكمة الرئيسية بعد ليلة لم ينم فيها سوى ساعات قليلة، التهديد الهاتفي الذي تلقاه قبل أيام ما زال يتردد داخل رأسه "إذا استمريت... ستكون التالي"، لم يكن رجلًا يخاف بسهولة، فطوال سنوات عمله كمحامٍ جنائي واجه مجرمين ومحتالين وأصحاب نفوذ، لكن شيئًا ما في هذه القضية كان مختلفًا، لأول مرة يشعر أن الخطر قريب جدًا، حقيقي جدًا وكأن شخصًا يقف خلف الستار يراقب كل خطوة يقوم بها.
نظر إلى الملفات المكدسة فوق مكتبه، صور الجريمة، التسجيل الصوتي، التحويلات المالية، رسالة ألكسندر الغامضة ثم صورة فاليريا، أخذ نفسًا طويلًا وأغلق الملف، حان الوقت لدخول المعركة.
كان مبنى المحكمة يعج بالصحفيين منذ ساعات الصباح الأولى ، عشرات الكاميرات ، مراسلون، جمهور فضولي والكثير من العناوين الجاهزة، بالنسبة لمعظم الحاضرين كانت النتيجة محسومة سلفًا، فاليريا بلاكوود ستُدان، أما المحاكمة فلم تكن سوى إجراء شكلي.
دخل ليام من المدخل الجانبي المخصص للمحامين وبعد دقائق دخلت فاليريا برفقة عناصر الأمن، كانت ترتدي بدلة رمادية بسيطة، لكنها بدت أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، التقت عيناها بعيني ليام للحظة، لم يتبادلا أي كلمة، إلا أن تلك النظرة وحدها كانت كافية، لقد أصبحا يعرفان بعضهما جيدًا، أكثر مما ينبغي.
دخلت القاضية "إيفلين مارش" ووقف الجميع احترامًا ثم بدأت الجلسة، وقفت المدعية العامة شارلوت ريد بثقة واضحة، كانت تعرف أن معظم الأدلة في صفها، بدأت بعرض القضية أمام هيئة المحلفين، قالت:"في هذه القضية لا نطلب منكم التخمين، نحن نقدم حقائق".
تحركت نحو الشاشة الكبيرة فظهرت صورة ألكسندر بلاكوود ثم صورة القصر ثم صورة أداة الجريمة وأكملت: "المدعى عليها كانت آخر شخص شوهد مع الضحية".
"كانت بينهما خلافات موثقة، دم الضحية وُجد على يديها وبصماتها موجودة على أداة الجريمة"، ساد الصمت داخل القاعة ثم أضافت: "كل الطرق تؤدي إليها".
نظر ليام إلى هيئة المحلفين ورأى التأثير الفوري على وجوههم، شارلوت كانت تعرف كيف تبني روايتها وكانت تبنيها بإتقان، خلال الساعات التالية استمعت المحكمة إلى عدد من الشهود، أفراد الشرطة، خبراء الأدلة الجنائية، الحراس العاملون داخل القصر وجميعهم دعموا رواية الادعاء بدرجات متفاوتة ثم جاء الشاهد الأكثر أهمية المحقق إيثان غريفز، وقف داخل منصة الشهادة وتحدث بثقة، قدم تفاصيل التحقيق ثم قال: "لم نجد أي دليل على دخول شخص غريب إلى القصر".
سألته شارلوت: "هل بقي لدى الشرطة أي مشتبه به آخر؟".
أجاب فورًا: " لا ".
قالت : "المدعى عليها كانت المشتبه به الوحيد المنطقي".
هنا وقفت شارلوت و ابتسمت نحو هيئة المحلفين ثم جلست.
كان دور ليام، نهض ببطء، اقترب من منصة الشهادة ثم نظر إلى إيثان وسأل بهدوء:
"المحقق غريفز، كم سنة أمضيت في العمل الجنائي؟".
قال :"اثنتا عشرة سنة ".
ليام : "إذن أنت تعلم أن الشك ليس دليلًا".
عبس إيثان قليلًا : "بالتأكيد".
ليام : "وأنت تعلم أن الاستنتاج ليس حقيقة".
ايثان : "نعم".
أومأ ليام ثم فتح ملفًا أمامه وقال: "هل يمكنك إخبار المحكمة متى حددتم وقت الوفاة؟ ".
أجاب إيثان: "بين الحادية عشرة وأربعين دقيقة والحادية عشرة وخمسين".
رفع ليام ورقة أخرى وقال: "هل ما زلت واثقًا من ذلك؟".
بدا التردد لأول مرة على وجه المحقق، فهمت شارلوت ذلك فورًا.
أما ليام فأكمل: "لأن تقرير الطب الشرعي المعدل الذي استلمناه قبل ثلاثة أيام يذكر أن الوفاة ربما حدثت أبكر بما يصل إلى أربعين دقيقة"، ساد همس مفاجئ داخل القاعة، تحولت القاضية نحو الأوراق أما شارلوت فبدت منزعجة، كان هذا أول صدع حقيقي في قضية الادعاء.
إذا كان وقت الوفاة خاطئًا، فإن جزءًا كبيرًا من التسلسل الزمني للقضية سيتغير.
خارج المحكمة بدأ الصحفيون يتداولون الخبر بسرعة، أما داخل القاعة فشعرت فاليريا للمرة الأولى بأن هناك أملًا، نظر إليها ليام للحظة قصيرة ثم عاد لمتابعة الجلسة، المعركة لم تنته بعد بل بدأت.
في الأيام التالية استمرت المحاكمة.
وكل يوم كان يكشف مفاجأة جديدة وهي إحدى الشاهدات، وهي خادمة قديمة في القصر أكدت أنها سمعت مشادة عنيفة بين ألكسندر وفاليريا ليلة الجريمة، بدا الأمر سيئًا للدفاع.
لكن أثناء الاستجواب المضاد اكتشف ليام شيئًا، قال: "أنتِ ذكرتِ أن المشادة حدثت عند الحادية عشرة والنصف."
قالت : "نعم"
ليام : "كيف عرفتِ الوقت؟"
ترددت ثم قالت: "نظرت إلى الساعة"
ابتسم ليام ثم رفع سجلًا رسميًا وقال: "لكن إفادتك الأولى أمام الشرطة ذكرت أن الساعة كانت معطلة منذ أسبوع"، ثم ساد الصمت، شحب وجه الشاهدة وأدرك الجميع ما حدث، لقد كذبت أو على الأقل أخفت جزءًا من الحقيقة.
بدأت ثقة هيئة المحلفين تتزعزع ليس فقط تجاه الشاهدة بل تجاه القضية بأكملها.
لاحقًا في ذلك الأسبوع جلس ليام مع أدريان داخل مكتبه وكانت الجدران مغطاة بالصور والخرائط المالية، عشرات الخيوط، عشرات الأسماء لكن اسمًا واحدًا بدأ يتكرر أكثر من غيره، فيكتور كين المدير المالي.
قال أدريان: "كل الطرق تعود إليه".
أجاب ليام: "لكننا لا نملك الدليل".
قال : "ليس بعد"، أخرج أدريان ملفًا جديدًا ووضعه على الطاولة وقال : "انظر إلى هذا".
بدأ ليام بالقراءة ثم اتسعت عيناه، كانت هناك تحويلات غير قانونية وعدة توقيعات مزورة وجميعها مرتبطة بأفراد يعملون مباشرة تحت إشراف فيكتور، همس ليام: "مستحيل...".
رد أدريان: "بل ممكن جدًا."، وتابع: "إذا اكتشف ألكسندر الأمر...".
أكمل ليام: "فسيصبح خطرًا على فيكتور"، تبادلا النظرات، ولأول مرة بدأ الشكل الحقيقي للمؤامرة يظهر أمامهما .
في الليلة نفسها عاد ليام إلى شقته، كانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، ألقى مفاتيحه على الطاولة ثم اتجه نحو النافذة، كان عقله منشغلًا، هناك شيء لم يكتمل بعد، شيء صغير، حلقة مفقودة تمنعه من رؤية الصورة كاملة، رن هاتفه فجأة، كانت فاليريا، سمح لها القاضي بإجراء مكالمة قصيرة مع فريق الدفاع، أجاب، جاءه صوتها هادئًا: "هل ما زلت تؤمن أنني بريئة؟".
لم يجب فورًا ثم قال: "نعم"، ساد الصمت ثم سمع شهقة خافتة على الطرف الآخر وكأن الجملة كانت تعني لها أكثر مما توقع.
لكن قبل أن يتابع الحديث...انقطع الخط.
في صباح اليوم التالي وصل ليام إلى مكتبه فوجد ظرفًا آخر تحت الباب ، شعور بارد تسلل إلى جسده فور رؤيته، فتح الظرف وجد داخله صورة فقط صورة واحدة، صورة التقطت له مساء الأمس وهو يغادر مكتبه على ظهرها كُتبت جملة قصيرة: "توقف قبل فوات الأوان"، ظل ينظر إلى الورقة طويلًا ثم قبض عليها بقوة ، لم يعد هناك شك شخص ما يراقبه وشخص ما مذعور لكن الخوف لا يجعل الناس يهددون الخوف يجعلهم يخطئون.
مرت ثلاثة أيام أخرى وخلال مراجعة أخيرة للملفات المالية حدث الأمر ، اكتشف ليام معلومة بدت صغيرة في البداية ثم تحولت إلى زلزال، أحد الحسابات السرية المرتبطة بالشركات الوهمية كان يقود إلى شركة يملكها قريب لفيكتور كين، شركة لم يُعلن عنها رسميًا قط، شركة تُستخدم لإخفاء الأموال.
جلس ليام في مكانه صامتًا ثم أعاد فحص الوثائق مرة ثانية وثالثة ورابعة ، النتيجة نفسها، شعر بدقات قلبه تتسارع، لقد وجده، أخيرًا.
في المساء اجتمع مع أدريان وعرض عليه المستندات، تفحصها الصحفي بدقة ثم رفع رأسه.
وقال: "إنه هو"، أومأ ليام ولأول مرة منذ بداية القضية شعر باليقين.
فيكتور كان يخفي شيئًا ضخمًا، شيئًا يكفي للقتل، لكن المشكلة بقيت نفسها، لم يكن لديهم الدليل النهائي، لا يوجد شيء يربطه مباشرة بجريمة القتل، لا شيء يمكنه إسقاطه أمام المحكمة، حتى الآن.
وقف ليام أمام النافذة والمدينة تمتد أمامه تحت أضواء الليل، كان يعلم أن الحقيقة أصبحت على بعد خطوة واحدة فقط، خطوة أخيرة، إما أن توصله إلى العدالة أو تدمر القضية كلها.
وفي مكان ما داخل المدينة... كان شخص آخر يعلم ذلك أيضًا، شخص بدأ يشعر بأن الشبكة التي نسجها بعناية طوال سنوات بدأت تتمزق وبأن سقوطه قد أصبح أقرب من أي وقت مضى.
أما ليام... فقد اتخذ قراره، مهما كان الثمن سيكشف الحقيقة كاملة حتى لو كان عليه مواجهة أخطر رجل في القضية.
الفصل الخامس: الحقيقة الأخيرة
كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف فجرًا عندما غادر ليام كارتر مكتبه أخيرًا، المدينة بدت شبه خالية، الشارع الممتد أمام المبنى كان غارقًا في صمت ثقيل لا يقطعه سوى ضوء أعمدة الإنارة المتناثرة على الأطراف، أدار مفتاح سيارته، جلس خلف المقود وألقى الملف الأخير فوق المقعد المجاور، ملف فيكتور كين، الاسم الذي أصبح يلاحقه في كل خيط من خيوط القضية، أغلق الباب ثم توقف.
شعور غريب اجتاحه فجأة، شعور بأنه مراقب، رفع رأسه ببطء وتأمل الشارع، لا أحد لكن إحساس الخطر لم يختف، وما إن أدار المفتاح حتى ظهر ضوء قوي خلفه، سيارة سوداء اندفعت بسرعة جنونية وقبل أن يستوعب ما يحدث كانت السيارة تتجه نحوه مباشرة، ضغط المكابح بعنف وغير اتجاه المقود في اللحظة الأخيرة، اصطدمت السيارة السوداء بالحاجز المعدني على جانب الطريق، وارتفع صوت المعدن المتحطم في الشارع الفارغ، تسارع قلب ليام بشدة، خرج من سيارته بسرعة لكن السيارة الأخرى كانت قد انطلقت مجددًا واختفت في الظلام، وقف يلهث وهو ينظر إلى آثار الاصطدام ثم همس: "لقد بدأوا بالخوف"، لأنه لم يعد هناك شك أحدهم أراد قتله.
في صباح اليوم التالي كان أدريان يجلس أمامه داخل المكتب ينظر إلى صور الحادث، قال: "هذه ليست مصادفة".
أجابه ليام: "أعرف".
قال : "إذن ماذا ستفعل؟".
نظر ليام إلى الملفات المكدسة على الطاولة ثم قال بثقة: "سأنهي الأمر".
خلال الأيام التالية عمل ليام وأدريان بلا توقف، راجعوا مئات الصفحات من المستندات وتتبعوا عشرات التحويلات البنكية، وفحصوا عقودًا عمرها سنوات إلى أن عثروا أخيرًا على الشيء الذي كانوا يبحثون عنه، الدليل المفقود، الضربة القاضية، وجدوا عقدًا إلكترونيًا قديمًا مرتبطًا بإحدى الشركات الوهمية.
ومن خلال سلسلة طويلة من التحويلات المالية تمكنوا من إثبات أن الأموال كانت تنتقل في النهاية إلى حسابات يسيطر عليها فيكتور كين بشكل مباشر لكن هذا لم يكن كل شيء ، داخل أحد الخوادم الاحتياطية التي احتفظ بها ألكسندر سرًا... وجد أدريان نسخة محذوفة من رسالة إلكترونية، رسالة أرسلها ألكسندر قبل موته بأيام قليلة إلى فيكتور نفسه.
قرأ ليام الرسالة عدة مرات وكان محتواها كافيًا لنسف حياة أي شخص.
كتب ألكسندر فيها: " اكتشفت كل شيء سرقت الشركة لسنوات، خلال أيام سأقدم جميع المستندات للسلطات".
ساد الصمت داخل المكتب ثم قال أدريان: "لقد حكم على نفسه بالموت".
أجاب ليام: "بل حكم على فيكتور".
في مساء ذلك اليوم طلب ليام لقاءً عاجلًا مع المدعية العامة شارلوت ريد، في البداية رفضت، لكن عندما شاهدت الأدلة الجديدة تغير كل شيء، بدأ وجهها يفقد ثقته مع كل صفحة تقرأها ومع كل مستند جديد.
قالت أخيرًا: "إذا كان هذا حقيقيًا...".
قاطعها: "إنه حقيقي".
صمتت للحظة ثم قالت: "إذن القضية بأكملها بنيت على فرضية خاطئة ".
أومأ ليام وأضاف: "فاليريا لم تكن الهدف الحقيقي، بل كانت الضحية المثالية".
حل يوم الجلسة الأخيرة واكتظت المحكمة بالصحفيين أكثر من أي وقت مضى الجميع كان ينتظر الحكم والجميع كان يعتقد أن القضية تقترب من نهايتها لكن أحدًا لم يكن يعرف أن النهاية الحقيقية لم تبدأ بعد.
دخلت القاضية تبعها الجميع ثم بدأت الجلسة، وقفت شارلوت أولًا لكن هذه المرة لم تكن واثقة كما اعتادت أما ليام فكان هادئًا بشكل غريب وكأن كل شيء أصبح واضحًا أمامه أخيرًا ، استدعى الدفاع أول شاهد ثم الثاني ثم الثالث ومع كل شهادة بدأت الصورة تتغير ببطء لكن بثبات، عرض ليام المستندات المالية ثم الحسابات السرية ثم العقود المزورة ثم الرسائل الإلكترونية، امتلأت المحكمة بالهمسات.
أما فيكتور كين الجالس في المقاعد الخلفية فبدأت ملامحه تتوتر للمرة الأولى، لاحظ ليام ذلك فعرف أنه يسير في الاتجاه الصحيح ثم جاءت اللحظة الحاسمة، رفع ليام الرسالة الأخيرة، رسالة ألكسندر وقرأها أمام المحكمة كاملة.
ساد الصمت، صمت ثقيل ثم نظر نحو فيكتور مباشرة وقال: "السيد كين... هل ما زلت تنكر أنك كنت تسرق أموال شركة بلاكوود؟".
تجمد الرجل لكن لم يجب، أعاد السؤال ثم قدّم السجلات البنكية والتحويلات وتوقيعات المزورين وشهادات الموظفين، كانت الضربات تأتي الواحدة تلو الأخرى وكلها تصيب الهدف نفسه.
حاول محامي فيكتور الاعتراض لكن الأدلة كانت كثيرة جدًا أكثر مما يمكن تفسيره وأخيرًا طلبت القاضية استدعاء فيكتور للشهادة، نهض ببطء، خطواته بدت ثقيلة لأول مرة، جلس داخل منصة الشهود وتصبب العرق من جبينه، بدأت الأسئلة، في البداية أنكر ثم تهرب ثم تناقضت إجاباته حتى جاء السؤال الأخير، السؤال الذي دمر كل شيء، قال ليام: "عندما اكتشف ألكسندر سرقتك لأموال الشركة... ماذا فعلت؟".
ساد الصمت، أطول صمت عرفته القاعة طوال المحاكمة، حدق الجميع في فيكتور، بينما كان ينظر إلى الطاولة أمامه ثم حدث ما لم يتوقعه أحد، ضحك، ضحكة قصيرة ومكسورة ثم رفع رأسه وقال: "لقد كان أحمق".
اتسعت عيون الحاضرين، أما القاضية فضربت بمطرقتها معترضة لكن فيكتور لم يعد يهتم، كانت السنوات الطويلة من الأكاذيب تنهار أمامه دفعة واحدة وقال: "بنيت تلك الشركة معه ثم قرر أن يدمرني"، أغلق عينيه للحظة وأكمل بصوت متعب: "نعم سرقت الأموال ولم أندم " .
ساد الصمت ثم أضاف: "لكن عندما أخبرني أنه سيفضحني..."، نظر إلى ليام ثم قال: "عرفت أن أحدنا يجب أن يختفي".
شهق عدد من الحاضرين أما فاليريا فبقيت جامدة في مكانها غير قادرة على استيعاب ما تسمعه وأخيرًا قال فيكتور الجملة التي أنهت القضية كلها: "أنا من قتل ألكسندر بلاكوود"، تحولت المحكمة إلى فوضى، الصحفيون اندفعوا لتسجيل كل كلمة والحراس أحاطوا بفيكتور فورًا، بينما جلس ليام في مكانه صامتًا، لقد انتهى الأمر، أخيرًا، اعترف الرجل بكل شيء، بسرقة الأموال وبقتل ألكسندر وبتعطيل الكاميرات وباستغلال الخلافات بين الزوجين لتوجيه الشبهات نحو فاليريا.
كما اعترف بأنه كان وراء التهديدات ومحاولة قتل ليام ، كان يخشى انكشاف الحقيقة لكن الحقيقة وصلت إليه أولًا.
بعد ساعات طويلة من المداولات عاد الجميع إلى قاعة المحكمة وقفت القاضية ثم بدأت قراءة الحكم لم يسمع ليام معظم الكلمات كان ينظر فقط إلى فاليريا الجالسة في الطرف الآخر بهدوء وترقب ثم جاءت الجملة المنتظرة :
"تُعلن المحكمة براءة فاليريا بلاكوود من جميع التهم المنسوبة إليها".
أغمضت فاليريا عينيها وانهمرت دمعة واحدة على خدها، أما ليام فشعر كأن حملًا ثقيلًا سقط عن كتفيه، انتهت المعركة وانتصرت الحقيقة.
مرت ستة أشهر تغيرت أشياء كثيرة تم الحكم على فيكتور بالسجن المؤبد وانهارت شبكة الفساد التي أخفاها لسنوات، أما شركة بلاكوود فقد انتقلت إدارتها إلى مجلس جديد وابتعدت وسائل الإعلام تدريجيًا عن القضية وكأنها أصبحت جزءًا من الماضي.
في إحدى أمسيات الخريف كان ليام يقف على رصيف صغير يطل على البحيرة خارج المدينة، الهدوء يملأ المكان والشمس تقترب من الغروب، سمع خطوات خلفه فابتسم قبل أن يستدير، كانت فاليريا، اقتربت منه ثم وقفت إلى جانبه دون أن تتحدث، ظل الاثنان ينظران إلى الماء لفترة طويلة، أخيرًا قالت: "هل تصدق أن كل شيء انتهى؟".
ابتسم وقال: "بعد هذه القضية؟"، ضحكت ثم هزت رأسها وأضافت: "لقد أنقذت حياتي."
استدار نحوها وقال بهدوء:
"أنت من صمدت"، ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا مؤلمًا هذه المرة بل صمتًا مريحًا.
صمت شخصين نجا كل منهما من عاصفة كادت تدمره ثم مدت يدها فأمسكها ونظرا معًا نحو الأفق، إلى المستقبل، حيث لم تعد هناك محاكم ولا أسرار ولا جرائم بل بداية جديدة فقط.
بداية لم تكن أي منهما يتوقعها عندما التقيا للمرة الأولى خلف زجاج غرفة الزيارات.
النهاية.