
رواية صدى الغرفة الصامتة 2026
صدى الغرفة الصامتة: خطيئة مالكوم هاريس
كان الضباب في قرية "بلو ريدج" ليس مجرد ظاهرة جوية، بل كان يبدو ككفنٍ رمادي
يلف بيوتها الحجرية القديمة. وفي أعلى التلة، حيث يقبع قصر "فينك" كوحشٍ
من العصور الوسطى، كان السكون يطبق على المكان لدرجة أن صوت وقع أقدام المحقق
مالكوم هاريس على الحصى كان يبدو كطلقات رصاص متتالية.
وقف مالكوم أمام الباب الخشبي الضخم لمكتب "إدوارد فينك". كان الهواء بارداً، ورائحة الرطوبة
الممتزجة بخشب البلوط القديم تعطي انطباعاً بأن الزمن قد توقف هنا منذ عقود.
"هل أنت مستعد يا سيمون؟" سأل مالكوم بنبرة هادئة، وهو يرتدي قفازاته الجلدية السوداء.
أومأ المساعد سيمون، الذي كان يحمل حقيبة الأدوات الجنائية، ووجهه يشوبه الشحوب:
"سيدي، يقول الخدم إن الباب لم يُفتح منذ ليلة أمس، والمزلاج الداخلي هو العائق الوحيد.
لقد اضطررنا لكسر جزء من الخشب لنرى ما بالداخل".
دفع مالكوم الباب ببطء. صرير المفصلات كان طويلاً ومزعجاً، وكأنه احتجاج من الغرفة على
اقتحام خصوصية الموت. في الداخل، كان المشهد صادماً ببساطة تفاصيله.
"إدوارد فينك"، الرجل الذي كان يهز اقتصاد الإقليم بكلمة واحدة، جالس على
كرسيه الضخم خلف مكتبه المرصع بالصدف. رأسه ملقى للخلف بوضعية توحي بالراحة،
لولا عينيه اللتين ظلتا مفتوحتين، تحدقان في الفراغ بذهول تجمد عبر الزمن.
اقترب مالكوم بخطوات مدروسة. لم يلمس شيئاً في البداية، بل اكتفى بالنظر.
"انظر يا سيمون، لا يوجد بعثرة. الأوراق مرتبة، فنجان القهوة نصف ممتلئ ولم يسقط، والمزلاج..."
التفت مالكوم للباب، كان المزلاج الحديدي الثقيل ملقى على الأرض بعد أن حطمه الحراس،
لكن مكانه على الإطار الخشبي يؤكد أنه كان مغلقاً من الداخل بإحكام.
"غرفة مغلقة تماماً.. لا نافذة مكسورة، ولا مخرج سري واضح للعين "، تمتم مالكوم وهو
ينحني ليلتقط شيئاً من على السجاد الفارسي. كانت قطعة صغيرة من الشمع الأحمر،
لكنها ليست من النوع المستخدم في الأختام الحديثة.
كانت تفوح منها رائحة غريبة، مزيج من الكبريت والياسمين.
فجأة، وبلا أي مصدر ظاهر للضوء، بدأت رسالة بيضاء ملقاة أمام الجثة تتوهج بلون أرجواني شاحب.
لم تكن هناك كلمات، بل كانت هناك "رائحة"؛ رائحة ياسمين خانق يمتزج بغبار المناجم القديمة.
رائحة لا يشمها إلا من حُكم عليه ألا يستيقظ أبداً.
في تلك اللحظة، دخلت إلينا، زوجة الراحل. كانت ترتدي ثوباً أسود يبرز شحوب بشرتها الذي
كاد يضاهي لون المرمر. لم تبكِ، بل كانت عيناها تجولان في الغرفة بحثاً عن شيء ما، وليس عن زوجها.
"هل وجدت ما يفسر رحيله المفاجئ يا محقق؟"، سألت بصوت هادئ، هدوء لا يتناسب مع فاجعة الموت.
التفت إليها مالكوم، وضيق عينيه خلف نظارته: "الموت هنا يا سيدة إلينا لا يفسر نفسه بسهولة.
زوجك مات في غرفة لا يمكن لبعوضة أن تدخلها دون علمه. أخبريني، لماذا كانت رائحة
الاحتراق تفوح من هنا عندما اقتحم الحراس الباب؟".
تراجعت إلينا خطوة للخلف، واصطدمت يدها بطرف الطاولة :
"ربما كان يشعل بعض الأوراق القديمة.. كان إدوارد يحب تصفية حساباته مع الماضي في هذا المكتب".
"الماضي لا يحترق بسهولة يا سيدة إلينا، أحياناً يعود ليخنقنا"، قال مالكوم وهو يلاحظ، بلمحة
خاطفة، وجود رسالة بيضاء تماماً موضوعة أمام الجثة، خالية من أي كلمة، لكنها تحمل في
منتصفها ختماً شمعياً قديماً يصور جمجمة متشابكة مع غصن زيتون.
شعر مالكوم ببرودة مفاجئة تسري في عموده الفقري. هذا الختم لم يره منذ قضية
"منجم 1920" التي دُفنت في أرشيفات الشرطة المنسية. رفع بصره نحو إلينا، ليجدها تنظر إلى
الرسالة برعب دفين، وكأنها رأت شيطاناً للتو.
***
قضى المحقق مالكوم ليلته الأولى في "بلو ريدج" داخل مكتبة القصر،
يقلب في ملفات قديمة كساها الغبار.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً، وصوت الرياح في الخارج يئن بين أغصان الأشجار
العارية كأنه صوت استغاثة بعيد.
دخل عليه مساعده سيمون وهو يحمل تقريراً أولياً :
"سيدي، الطبيب الشرعي يقول إن الوفاة حدثت نتيجة هبوط حاد في الدورة التنفسية، لكن الرئتين
مليئتان بنوع من الرواسب الكربونية، وكأنه كان يعمل في منجم فحم لسنوات، وليس جالساً في مكتبه الفاخر".
أشعل مالكوم غليونه، وتصاعد الدخان ليمتزج بضباب الغرفة :
"كربون؟ إدوارد فينك لم يلمس قطعة فحم منذ ثلاثين عاماً، سيمون، القضية بدأت تكتسب طابعاً تاريخياً"،
سحب مالكوم صورة من ملف أصفر مهترئ، وضعها تحت ضوء المصباح الخافت و قال : "انظر إلى هؤلاء الثلاثة".
كانت الصورة تضم إدوارد في شبابه، وإلى جانبه رجلان آخران؛ "توماس ميرفي" و"آرثر بلاك".
الثلاثة كانوا يبتسمون أمام مدخل منجم "سيلفر لاين" الشهير.
قال مالكوم : "توماس مات في حادث منجم غامض عام 1920، وآرثر اختفى في ظروف غامضة
بعدها بعامين. والآن، إدوارد يموت مخنوقاً بالكربون في غرفة مغلقة".
قطع تفكيرهما دخول جوليان، الابن الأكبر بالتبني. كان يرتدي رداءً من الحرير، ويمسك بكأس
من الشراب، لكن عينيه كانتا حادتين كخنجر.
جوليان: "هل ما زلت تنبش في القبور يا محقق؟ أبي مات لأن قلبه لم يعد يحتمل ثقل خطاياه،
لا داعي لكل هذه المسرحية".
مالكوم (ببرود): "الخطايا لا تخنق الرئتين بالكربون يا سيد جوليان. أخبرني، لماذا قمت بتبديل
أقفال الطابق السفلي قبل أسبوع من وفاة والدك؟".
تصلب جسد جوليان للحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة:
"البيت قديم، واللصوص يكثرون حين يشمون رائحة الموت. كنت أحمي إرثي".
مالكوم: "أم كنت تحمي سراً يربطك بتوماس ميرفي؟ لقد قرأت سجلات التبني، جوليان. أنت
لست مجرد غريب آواه إدوارد، أنت ابن الرجل الذي مات في ذلك المنجم".
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى طقطقة الخشب في المدفأة. اقترب جوليان من مالكوم، وهمس بصوت مشروخ:
"إذا كنت تظن أنك تعرف الحقيقة، فأنصحك بالنظر تحت السجادة في مكتب أبي.. ليس كل ما هو مدفون قد مات فعلاً".
***
في الصباح التالي، عاد مالكوم إلى مسرح الجريمة. أزاح السجادة الفارسية الثقيلة، واكتشف
ما لم تره الأعين من قبل: بلاطة رخامية تختلف قليلاً في ملمسها. بضغطة بارعة، انزاحت البلاطة
لتكشف عن فتحة صغيرة تؤدي إلى عمق مظلم.
"سيمون، أحضر المصباح" قال مالكوم وهو ينزل بحذر.
لم يكن مجرد سرداب، بل كان جزءاً من ممر قديم تم دمجه في أساسات القصر.
وبينما كان مالكوم يتحرك وجد جداراً مغطى بالرموز. وفي الزاوية، كانت تقبع مارثا،
الخادمة العجوز التي قيل إنها أصيبت بالخرف، كانت تجلس على الأرض، تفرك يديها وكأنها تغسلهما من دم غير مرئي.
مارثا: "لقد عادوا.. أليس كذلك؟ الرجال الذين لا يتنفسون".
مالكوم (ينحني لمستواها): "مارثا، أخبريني عن الوشم الذي خلف أذن إدوارد، رمز الصمت.. من الذي وضعه؟"
مارثا (تضحك بهستيريا): "هو من وضعه لنفسه! في كل ليلة كان يسمع فيها طرقات
على جدران المنجم تحت البيت، كان يرسم خطاً جديداً. كان يظن أن الصمت سيحميه من الغاز الذي يزحف كالأفعى".
مالكوم: "أي غاز يا مارثا؟".
مارثا: "غاز الذكريات.. غاز المنجم الذي سدوه على العمال وهم أحياء ليوفروا تعويضات الإصابة.
إدوارد لم يغلق الباب ليمنع القاتل من الدخول، بل أغلقه ليمنع نفسه من الهرب من الحقيقة".
فجأة، سمع مالكوم صوت انغلاق حديدي فوق رأسه. البلاطة الرخامية أُغلقت، وأصبح هو وسيمون ومارثا
في ظلام دامس. ومن خلال فتحات التهوية الصغيرة، بدأ يتسرب بخار رمادي غريب، يحمل رائحة الكبريت والياسمين ذاتها.
***
"سيمون، لا تتنفس بعمق!" صرخ مالكوم وهو يغطي وجهه بقطعة قماش.
بدأ الضيق يغزو صدورهم. في الظلام، بدأ مالكوم يدرك الخدعة. القاتل لم يكن يحتاج
لدخول الغرفة، كان يحتاج فقط للتحكم في ما يخرج من الأرض.
سيمون (يسعل بشدة): "سيدي.. هناك.. هناك صمام خلف الجدار!".
بجهد جهيد، استطاع مالكوم دفع الصمام، لينفتح مخرج جانبي يؤدي إلى حديقة القصر الخلفية.
خرجوا وهم يلهثون، يستنشقون الهواء البارد كأنه ترياق للحياة. هناك، وسط الضباب،
كانت تقف إلينا، ممسكة بمصباح زيتي، تنظر إليهم بخيبة أمل لم تستطع إخفاءها.
مالكوم (وهو يستعيد أنفاسه): "خطة بارعة يا سيدة إلينا. استخدمتِ الممرات القديمة للمنجم التي
تقع تحت القصر مباشرة. كنتِ تضخين الغاز ببطء عبر فتحات التهوية المخفية في خشب المكتب".
إلينا (ببرود): "أنت تتخيل أشياءً لا وجود لها يا محقق. أنا كنت هنا أبحث عنكم".
مالكوم: "بل كنتِ تضمنين ألا يخرج أحد. لقد وجدتُ المختبر الصغير في غرفتك،
حيث تمزجين غاز الميثان برائحة الياسمين لتغطية رائحة الموت. إدوارد لم يمت بالصدفة،
مات لأنه بدأ يشعر بالندم وأراد الاعتراف وأنتِ لم تكوني لتسمحي للثروة بأن تتبخر في قاعات المحاكم".
إلينا: "الندم لا يعيد الموتى، لكن المال يضمن بقاء الأحياء."
***
لم يلقِ مالكوم القبض على إلينا فوراً، بل انتظر. كان يعلم أن هناك "طرفاً ثالثاً".
من أين لامرأة شابة مثلها بمعرفة خرائط المنجم السرية التي تعود لعام 1920؟، عاد لمواجهة
جوليان، الذي كان يحاول مغادرة القرية.
بعد الهروب من السرداب، لم يعد مالكوم يثق في ظله. عاد إلى مكتبه المؤقت في النزل
الصغير بالقرية، وشرع في كشف الستار عن العلاقة الغامضة بين جوليان وإلينا. استدعى
جوليان لمواجهة أخيرة، لكن هذه المرة في مكان مفتوح، عند حافة المنجم المهجور، حيث الهواء لا يحمل أسراراً.
مالكوم: "الرياح هنا قوية يا جوليان، لا مجال للهمس أو التلاعب. لقد وجدنا في غرفتك
خرائط هندسية مسربة من أرشيف المدينة،
خرائط توضح بدقة مليمترية كيف تلتقي أنابيب التدفئة في القصر مع قنوات التهوية القديمة للمنجم.
أخبرني، كيف لشاب مثلك أن يعرف هذه التفاصيل التقنية المعقدة؟"
جوليان (ينظر إلى هوة المنجم العميقة): "هل تظن أن الانتقام يولد في يوم وليلة؟ لقد قضيت
عشر سنوات أدرس تلك الجدران، كنت أتسلل ليلاً بينما كان إدوارد غارقاً في نبيذه وندمه. كنت أسمع
أنفاس المنجم تحت قدمي.
لكنني لم أكن وحدي يا محقق.. إلينا كانت هي 'العقل' الذي حول كراهيتي إلى خطة محكمة."
مالكوم (بحدة): "إلينا؟ أخبرتني أنها شريكتك، لكنني أشك في ذلك الآن. أنت كنت مجرد 'يد' عاملة.
هي من أعطتك المال لشراء تلك الخرائط، وهي من كانت توجهك كالدمية."
جوليان (يضحك بمرارة): "لقد خدعتنا جميعاً. كانت تمثل دور الزوجة الشابة المغلوب على أمرها،
بينما كانت هي من تكتب الرسائل الصامتة.
هل تعرف لماذا اختارت 'غاز الميثان'؟ لأنه لا يترك أثراً كيميائياً واضحاً في جثة رجل مسن يعاني أصلاً من ضعف الرئة.
لقد جعلتني أفتح الصمام الرئيسي من القبو، وأقنعتني أن هذا سيخيفه فقط ليعترف بمكان الذهب المخفي..
لم أكن أعلم أنه سيموت!"
مالكوم: "لقد استغلت سذاجتك وانتقامك لتمسح آثارها. لكن هناك حلقة مفقودة.. لقد عثرتُ على
سجل سري في مكتب إدوارد، 'وصية ثانية' لم تُنشر بعد.
إدوارد كان ينوي كتابة كل أملاكه لجمعية خيرية تعوض عائلات ضحايا المنجم. إلينا عرفت ذلك،
وكان يجب أن يموت إدوارد قبل أن يوقع تلك الورقة".
مالكوم: " اللعبة لم تنتهِ. لقد اكتشفتُ أنك وإلينا لستما عدوين، بل شريكين.
هي أرادت المال، وأنت أردت الانتقام لوالدك توماس. هي وفرت المعمل، وأنت وفرت الخرائط".
جوليان (يضحك بمرارة): "لقد أخطأت في شيء واحد يا محقق. أنا لم أكن شريكها..
أنا كنت أداة في يدها. هي من أقنعتني أن إدوارد هو من قتل والدي بيده، وهي من علمتني
كيف أفتح الصمامات. لكنني اكتشفت الحقيقة متأخراً.."
سقطت قطع الأحجية في مكانها. الدافع لم يكن الانتقام فقط، بل كان استرداد اموال ليس لها حق فيه مغلفاً بكراهية عميقة.
***
في الليلة الأخيرة، عاد مالكوم إلى القصر في ليلة يلفها السكون المرعب.
جمع مالكوم الجميع في الغرفة المغلقة نفسها. كانت الرائحة قد زالت، لكن ثقل الموت لا يزال جاثماً.
كان فنجان القهوة لا يزال في مكانه، والكرسي الجلدي شاغراً ينتظر صاحبه الغائب.
مالكوم (وهو يسير ببطء حول المكتب): "الجريمة الكاملة ليست هي التي لا تُكتشف،
بل هي التي تجعل الضحية يشارك في قتل نفسه.
سيدة إلينا، لقد درستُ حياتكِ السابقة.. أنتِ لم تأتي من عائلة أرستقراطية كما يدعي جواز سفرك.
أنتِ ابنة 'آنا'، الخادمة التي طردها
إدوارد قبل ثلاثين عاماً لأنها كانت تحمل 'سراً' يهدد سمعته."
تغيرت ملامح إلينا؛ تلاشت الرقة المصطنعة وحل مكانها برود كأنه جليد القطب.
إلينا: "إدوارد فينك لم يكن رجلاً، كان وحشاً يرتدي حلة من الحرير، كان جلادي. لقد ترك أمي تموت في الفقر
بينما كان هو يبني هذا القصر فوق جماجم أصدقائه."
مالكوم: "ولهذا قررتِ قتله بسلاحه الخاص. الضغط النفسي. الختم الشمعي الذي وضعتِه على الرسالة الفارغة
لم يكن مجرد رمز، بل كان مغطى بمادة 'الفوسفور الأبيض' التي تشتعل ببطء عند تعرضها لدرجة حرارة معينة.
رائحة الشمع المحروق التي شمها الجميع عند كسر الباب كانت بقايا رسالتك التي احترقت ذاتياً لتختفي الأدلة."
سيمون (مندهشاً): "سيدي، هل تقصد أن الرسالة هي التي قتلته؟"
مالكوم: "ليس تماماً. الرسالة كانت 'المحفز'. عندما رأى إدوارد الختم يشتعل ببطء في الظلام،
وظن أنه يرى أشباح الماضي، أصابه الذعر.
وفي تلك اللحظة، كانت إلينا قد فتحت صمام الغاز من غرفتها المجاورة عبر فتحة سرية خلف اللوحة.
إدوارد، في نوبة فزعه، ركض إلى الباب وأغلق المزلاج ليدافع عن نفسه من 'الأشباح'،
دون أن يدرك أنه يحبس نفسه في غرفة غاز."
اقترب مالكوم من إلينا، وأخرج من جيبه قارورة صغيرة وجدها مخبأة في مشط شعرها.
مالكوم: "وهذا هو الدليل القاطع. عطر الياسمين الممزوج بمادة 'الأتروبين'. كنتِ تضعينه على ثيابك،
وعندما دخلتِ الغرفة بعد اكتشاف الجثة، تظاهرتِ بالانهيار لتمسحي وجه إدوارد بمنديلك المعطر، لتزيلي
أي أثر للمواد التي قد تثير ريبة الطبيب الشرعي. لقد كنتِ تنظفين مسرح الجريمة أمام أعيننا جميعاً!"
ساد صمت مطبق. نظرت إلينا إلى مالكوم بعينين تلمعان بالتحدي.
إلينا: "لقد تأخرت يا محقق. الأموال تم تحويلها بالفعل إلى حسابات خارج البلاد باسم 'ورثة ضحايا المنجم'.. نعم،
لقد فعلتُ ما عجز عنه القانون. قتلتُ الوحش، وأعدتُ الحقوق لأصحابها. حتى لو سُجنت، فقد انتصرت."
إلينا، وهي ترى رجال الشرطة يحيطون بالقصر، لم تظهر أي ندم. اقتربت من مقعد إدوارد، ولمست الخشب برقة.
إلينا: "هل تعلم يا محقق؟ في اللحظة التي أغلق فيها إدوارد المزلاج، نظر إليّ من شق الباب.
لم يكن خائفاً. كان يبدو مرتاحاً. وكأنه كان ينتظر هذا الغاز منذ ثلاثين عاماً ليغسل سواد رئتيه من غبار المنجم".
بينما كانت تقتادها الشرطة، التفتت لمالكوم وقالت: "الغرفة لم تكن مغلقة يا مالكوم.. القلوب هي التي كانت مغلقة."
بينما كان رجال الشرطة يضعون الأصفاد في يديها، توقفت عند الباب والتفتت لمالكوم:
"أتظن أنك أغلقت القضية؟ انظر إلى تلك اللوحة خلفك.. إدوارد لم يكن الوحيد الذي خان شركاءه.
هناك اسم رابع في عقد المنجم لم تكتشفه بعد."
خرجت إلينا بوقار الملكات، تاركة مالكوم يقف أمام اللوحة، يحدق في الزاوية المظلمة منها، حيث بدا له أن
هناك اسماً محفوراً تحت الطلاء، اسماً يشبه إلى حد كبير اسم عائلة مالكوم نفسه.
بعد رحيل الجميع، وتشميع القصر بالشريط الأصفر، عاد المحقق مالكوم هاريس وحده إلى تلك الغرفة.
كان المطر يهطل بغزارة في الخارج، وصوت ارتطام القطرات بالنوافذ الضخمة يشبه محاولات يائسة للدخول.
جلس مالكوم على الكرسي الذي مات عليه إدوارد، وأخرج "مكبره" وبدأ في حك الطلاء القديم في زاوية اللوحة التي أشارت إليها إلينا قبل رحيلها. كانت يده ترتجف قليلاً، ليس خوفاً، بل ترقباً ليقين كان يهرب منه طوال مسيرته المهنية.
مع تساقط قشور الطلاء الزيتي، ظهر اسم رابع بوضوح بجانب أسماء إدوارد، وآرثر، وتوماس.
كان الاسم المكتوب بخط مائل وأنيق هو: "سيباستيان هاريس".
"جدي.." همس مالكوم، وشعر ببرودة تجمدت لها الدماء في عروقه.
فتح مالكوم مذكرات والده التي كان يحملها دائماً في حقيبته، وبدأ يربط الخيوط.
جده سيباستيان لم يمت في حادث سيارة كما قيل للعائلة، بل كان "المهندس" الذي
صمم نظام التهوية في ذلك المنجم اللعين عام 1920. هو من صمم تلك الممرات الضيقة
التي خُنق فيها العمال، وهو من قبض "ثمن صمته" ليرسل ابنه -والد مالكوم- للدراسة
في أفضل جامعات القانون ببريطانيا.
أدرك مالكوم الآن سر "الرسائل الصامتة" التي كانت تصله طوال حياته المهنية، والتي كانت
تدفعه دائماً لتولي قضايا الفساد الكبرى. لم تكن الصدفة هي من أتت به إلى "بلو ريدج"،
بل كانت يدٌ خفية تريد له أن يكتشف أن البدلة التي يرتديها، والشهادات التي يعلقها على حائطه،
وكل فخر عائلته، كلها كانت "مبنية على جثث" عمال المنجم.
فجأة، رن هاتفه. كان المتصل مجهولاً.
مالكوم: "من المتحدث؟"
صوت أنثوي مألوف (إلينا، عبر هاتف مهرب من سيارة الترحيلات) :
"هل قرأت الاسم يا مالكوم؟ أنت لست 'المحقق' الذي جاء ليحقق العدالة.. أنت 'الثمرة' الأخيرة لتلك الجريمة.
إدوارد لم يمت بسببي وحدي، مات لأنه رآك في القرية، وعرف أن الحساب قد وصل.
لقد كان يراك ويشبّهك بجدك الذي خانه في الماضي."
مالكوم (بصوت مخنوق): "لماذا أخبرتني الآن؟"
إلينا: "لأن العدالة التي تفتخر بها تتطلب تضحية. الآن، أنت تملك المال والاسم والمكانة..
وكلها ملوثة بالدم. ماذا ستفعل يا سليل 'هاريس'؟ هل ستغلق المحضر كجريمة قتل عادية،
أم ستعترف للعالم أن عائلتك هي من صنعت هذا القبر؟"
انقطع الاتصال.
وقف مالكوم أمام المرآة الكبيرة في المكتب. لم يعد يرى المحقق النزيه، بل رأى
ظلاً لرجل بنى مجده على أنقاض منجم "سيلفر لاين". نظر إلى الورقة التي كانت تحمل اسم جده،
ثم نظر إلى المدفأة المشتعلة.
في حركة بطيئة، ألقى بالورقة في النار. وبينما كانت الورقة تحترق، أخرج مالكوم شارة الشرطة
الخاصة به، ووضعها فوق مكتب إدوارد فينك، وخرج من الغرفة دون أن يلتفت وراءه.
في الصباح التالي، وجد سيمون (المساعد) الغرفة فارغة، وشارة المحقق موضوعة فوق "الوصية الثانية"
التي وقعها مالكوم بالنيابة عن إدوارد (بتزوير بارع) ليتنازل عن كل شيء للفقراء.
لقد اختفى مالكوم هاريس من الوجود، تاركاً وراءه لغزاً جديداً في قرية "بلو ريدج"، لغزاً عن
محقق كشف الحقيقة.. فاختار أن يدفن نفسه معها.
***