-->

قصة قصيرة : خلف تلك العينين


قصة,قصيرة,خلف تلك العينين

قصة قصيرة بعنوان :

خلف تلك العينين 

احيانا حين كنت اقف  في انتظار صديقاتي قرب الكافتيريا كنت اراها فاراقبها بهدوء دون آن تشعر كانت تعمل بجد تنظف هنا وهناك ...  تمسح الأرضية وتغسل دورات المياه وتجمع  فضلات الطعام من تحت اقدام الطالبات ...لم تكن تتوقف عن العمل  الا نادرا ... وكنت استغرب من مقدار هذه الطاقة الغریبة التي تجعلها تعمل بكل ما اوتيت من قوة دون آن تتوقف كما تفعل غيرها من العاملات لتتسكع هنا وهناك او تتبادل بعض الأحاديث مع زميلاتها ..كنت اشعر انها تخاف  من شيء ما ...أو تعمل من اجل شيء ما يدفعها للعمل بكل ذا الجهد ..كان في ملامحها شيء من حزن دفين ... وكان في عينيها بؤس لم ارى مثله...اما وجهها الناحل الذي غارت مياه الحياة منه فلم يكن وجه اخر لينطق بالالم اشد منه ...عكف كبير كان يغمرني تجاه هذه المسكينة ...لكني لم اعرف كيف و متى اتواصل معها ...وذات مرة أنهت مسحها للأرضية حتى غدت لامعة نظيفة. أخذت المسكينة تنظر لها بفرح وهي تمسح جبينها.

 كانت مساحة كبيرة ومن المنهك حقا تنظيفها بهذه الدرجة.لكن ما هي إلا ثوان حتی قامت مجموعة من الطالبات الجالسات قرب المدخل من مكانهن وقد علت أصوات  ضحكهن تاركات علب العصير والبیبسي وبقايا الطعام خلفهن. وبینما کن ينفضن ثیابهن ويرفعن حقائبهن تدحرجت علب البييسي تحت أقدامهن لتندلق بالسائل اللزج على الأرضية. وليختلط اللون الأسود بالأحمر بالبرتقالي. ثم يكتمل الشكل. بتدحرج أحد هذه العلب على درج المدخل القریب فينساب السائل كشلال من العصير على الأ رضية النظيفة.

 توقعت أنهن سينظرن إلى الأرض ويتأسفن على ماحصل. . أو يرفعن العلب على الأقل. لكن شیئا من هذا لم يحصل أكملن أحاديثهن وضحكهن وهن يسرن فوق السوائل اللزجة لتطبع أقدامهن مزيج الألوان أينما سرن في طريقهن وبعد قليل. . بدأت بعض الطالبات  بالدخول والمرور فوق السوائل اللزجة لتنطبع آثار أقدامهن على المكان كله. . وما هي إلا دقيقتان فقط إلا واختفت ملامح الارضيه النظيفة  تماما خلف تلك البقع  اللزجة من آثار الأقدام الملونة نظرت نحوها...  کانت تقف في مكانها بصمت وهي تنظر ما حصل . وقد أهانها ما حصل. لكنها ابتلعت الألم في صمت.. وشدت بیدها بقوة على الممسحة. ثم آسرعت تملأ دلوها بالماء من جدید وتسحبه بثقل والألم يبدو على وجهها. 

ثم بدأت المسح من جديد. .تمنیت حينها لو أستطيع أن أسحب أولئك الفتيات.. ثم أجعلهن يمسكن الممسحة وينظفن  قذارتهن التي تركنها بكل بلادة. تمنيت لو سألتهن ما إذا كن يملكن شعورا وأحساسا في قلوبهن أم لا.. لأن منظر تلك المرأة المسنة كان يستدر الرحمة بشكل لا يتخيل. اقتربت منها وعرضت عليها مساعدتی فأشارت بيدها بالرفض وهي تبتسم. فقمت بجمع العلب و رميها على الأقل  کيلا أشعر بتانیب ضمير تجاه هذه المخلوقة البائسة. وبينما کنا نسير نحو الكافتيريا ذات يوم إن المحت موكبا من الإداريات يسير نحو المبنی يبدو أن وفدا ما یزورنا .

 أو ربما تكون المديرة قد قررت الخروج من عرشها الزجاجي لتنزل نحو درك الطالبات الأسفل علها تشاهد من  واقعنا.. وبينما كنا نسير خلف موكب الاداريات التي تسرن عند المدخل ... فوجئت الإدارية المشرفة التي كانت تقود الموكب وترشده بأن إحدى سلال المهملات مرمية قرب المدخل وقد تناثرت محتوياتها على الارض ..كنت أعلم أن هذا ولا بد يحصل بسبب مرور  الطالبات بكل لا مبالاة هنا. حيث پسرن دون أن يهتممن ما إذا كانت أحذيتهن العالية تركل شيء ما امامها .. يومها لم المح سوى ذلك الوجه الخائف الذي أسرع بلتقط الأوساخ من على الأرض بكل خوف بینما نظرات متاففة ومتعجرفة تحرقها من عيني المشرفة. كانت الوحيدة  التي أسرعت التنظیف بينما توارت معظم العاملات خوفا من اللوم والتقريع ...يومها شعرت بخزي كبير. . موكب الإداريات يقف بكل كبرياء وغرور. . وهن يرتدين نظاراتهن  الشمسية ويتأففن من وقوفهن بانتظار التنظيف. بينما الطالبات يقفن وينظرن بفضول نحو سبب توقف الموكب. . وهنا على الدرج. . تقف المسكينة مرتبكة وهي تمد يديها النحيلتين المرتجفتين هنا وهناك لتلتقط أوساخ الطالبات من على الأرض وهی في قمة الحرج والخوف. .ولم تتقدم يد واحدة لمساعدتها. . هنا. شعرت بأني لا أستطيع الوقوف في هكذا مهزلة. . فأسرعت أساعدها والتقط الأوساخ من على الأرض. . وأنا ألوم الطالبات على جمودهن وعدم مساعدتها. . نظر الجميع لی باستغراب. . ثم اقتربت إحدى صديقاتي. وساعدتني. . ثم تشجعت بعض الطالبات الواقفات.. وحين انتهينا تقريبا. . مر موكب الإداريات. وهن يرفعن رؤوسهن وكأنهن لم يرين شيئا.! وذات صباح ربيعي جميل. . بينما كنا نسین ونحن نتبادل الأحاديث الباسمة. إذا بی المحـهـا.. وهي تجلس على درج جانبي لاحد المباني القديمة. لم يكن هذا مكانها أبدا. استغربت نظرت جيدا من بعيد. كانت هي بظفيرتها المجعدة. . واضعة رأسها بين يديها مطرقة نحو الأرض. . وجدت نفسي انسحب بهدوء من صديقاتي نحوها. . إلى أین يا غادة؟ مشوار صغير .. اسبقنني نحو القاعة وحين اقتربت منها. . كانت في عالم اخر تماما توقفت قربها لكنها لم تشعر بي ولم تعنقد أني قد أحادتها لأنه من النادر ان تحدثها طالبة حينما نظرت إليها عن قرب. أدهشنى الجفاف الشديد في يديها  وتلك العروق الحضراء الناتئة بقوة فيهما حتي أظافرها كانت مشققة تماما شعرها كان مشدودا للغاية حتى أن مفرق رأسها اتسع بشكل كبير ربما كان التعب سببا للتساقط شعرها هكذا فكرت وفي لمحة سريعة لاحظت مظروفا و ورقة قربها على الأرض ففهمت  الكثير قبل ان احادثها  وبحركة لم أخطط لها وجدت نفسي أمسح على رأسها المسكين رفعت رأسها ونظرت نحوي فإذا عيناها تدمعان: 

- فيه مشكلة؟

ابتسمت ولفت وجهها لتمسح دموعها وهي تؤشر بيدها بالرفض فسأمسكت يدها..: مسلم صح؟هزت رأسها بالإيجاب. فقلت لها. . يعني اختي إيش مشكلة؟

أغرورقت عيناها بالدموع ثم بدأت تشرح بلغة مکسرة. أنها أرملة وهي تربي أريع بنات بالإضافة لأبناء ابنتها الكبری التي توفيت والذين يحتاجون للمال لمدا رسهم وملابسهم وطعامهم بالإضافة لمسؤوليتها في تزویجبناتها حيث يجب عليهن أن يمتلكن مهر كافيا ليستطعن الزواج في عرفهم. . وهي الأن تحاولجمع المهر الكافي لابنتها الثانية التي يكاد قطار الزواج يفوتها بهذا السبب لكنها عبثا لم تستطع جمع جزء من المبلغ. أما بناتها الأخريات فتحتاج لسنوات طويلة لترويجهن أيضا. لكن هذا لم يكن ما يؤرقها كما تقول. . مثلما يؤرقهاالخبر الذي وصلها الآن وهو أن ابنتها الصغری المصابة بمرض شديد في القلب قد ساءت حالتهاوتحتاج للتنويم في المستشفي. . لكنها لا تملك ما ترسله لهم قالت أن تلك الابنة هي أحب بناتها إلى قلبهاأكثرهن برا وحبا لها. وقد توفي والدها قبل أن تراه لذا فإنها تعطف عليها كثيرا. لكنهاالآن لا تستطيع أن تفعل لها شيئا..اغرورقت عيناها بالدموع ثم أخرجت لي صورة أبنتها تلك ذات الخمسة عشر عاماً.بدت أصغر من عمرها بکثير فهى نحيلة مثل والدتها. . وفي عينيها الناعستين ألم اليتموالفقر.. وكانت ترتدي حجابا ساتر. . سألتها عنه. فقالت. . نحن من أسرة متدينة. وجميع بناتي يذهبن للكتاب لحفظ القرآن منذ صغرهن. لحظتها. . شعرت بأني أكثر المخلوقات جموداو غباء و حقارة. لأن إنسانة مسلمة مثلها.. تعيش قربي. في نفس مكان دراستى وأنا لا اعلم عنها شيئاً.تعيش كل هذه المأساة على بعد بضعة أمتار مني كل يوم

وأنا أراها وارى ملامحها البائسة. دون أن أعلم شيئا عن الحزن الذيتخفيه . بل دون أن أحاول مساعدتها بشيء. إنها تستلم مرتبا لا يعادل نصف ما أصرفه
على ملابسي بل لايعادل نصف مكافاتی وتعيل ستة أشخاص في أشد الحاجة للمساعده ..وانا هنا ..دون ان اعلم  شينا. . أو حتى أساعد؟! 

يالله اغفرلي وأ رحمني. أخشى أن يؤاخذني الله على عدم مساعدتي لها.. 

وجدتها تقوم وهي تمسح دموعها وتحمل جردلها المملوء بالماء ثم تبدأ عملها بالمسح بينما عشرات الفتيات يمر رن قربها ضاحكات دون أن يشعرن بهذا الإنسان المعذب قربهن . أسرعت نحو صديقاتي وشرحت لہن الوضع وجمعنا لها مبلغا جيدا ثم تعاهدنا آن نتبرع لها بمبلغ خمسين ريال من مكافأة كل واحدة منا شهريا. وبالفعل أستطعنا ولله الحمد أن نقدم لها ثلاثمانة وخمسين ريالا شهريا، فأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. لن أصف کم فرحت ولا كم بكت من  السعادة .. فما نرجوه من الله يعدل -إن شاء الله أضعاف ذلك المبلغ الي قد نصرفه على وجبة فطور. وبدأت أشعر بسعادة غامرة لأنی ساعدت أختا لي في الإسلام أخت ليست من عرقي ولا جنسى ولا بلدي. أخت أدخل أجدادی الإسلام لشعبها، ثم نسيناهم نحن. فكرت كثيرا حينها هل اهتممت من قبل بأخواتي في الإسلام اللاتي يمررن بقربي في كليتي وفي كل مكان. 

هل فكرت أي قصة تحتويها أعينهن وأي مأساة قد تختفى خلف صمتهن.

جديد قسم : الروايات و القصص

جميع الحقوق محفوظة © 2020 ل J Rose